ابن عجيبة

448

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قيل : كانوا يقولون : العجب أن اللّه تعالى لم يجد رسولا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبى طالب . وهذا من فرط حماقتهم ، وقصور نظرهم على الأمور العاجلة ، وجهلهم بحقيقة الوحي والنبوة . هذا . . وأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يكن يقصر عن عظمائهم فيما يعتبرونه ، إلا في المال ، وخفة الحال أعون شئ في هذا الباب ، ولذلك كان أكثر الأنبياء قبله كذلك - أي : خفافا من المال - وقيل : تعجبوا من أنه بعث بشرا رسولا ، كما سبق في سورة الأنعام . قاله البيضاوي . ثم فسّر الوحي المذكور فقال : أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ أي : أوحينا إليه بأن أنذر الناس أي : خوفهم من غضب ربهم ، وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا ، عمم الإنذار ، إذ ليس من أحد إلا وفيه ما ينبغي أن ينذر منه ، وخصص البشارة إذ ليس للكفار ما يصح أن يبشروا به ، قاله البيضاوي . أي : بشر المؤمنين بأنّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي : سابقة ومنزلة رفيعة ، سميت قدما لأن السبق يكون بها ، كما سميت النعمة يدا لأنها تعطى باليد ، وأضيفت إلى الصدق لتحققها وللتنبيه على أنهم إنما ينالونها بصدق القول والنية . قال ابن جزي : أي : عمل صالح قدموه ، وقال ابن عباس : السعادة السابقة لهم في اللوح المحفوظ . ه وقال ابن عطية : والصدق في هذه الآية بمعنى الصلاح ، كما تقول : رجل صدق ورجل سوء . ه . قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا الكتاب ، أو ما جاء به الرسول ، لَسِحْرٌ « 1 » مُبِينٌ أي : بيّن ظاهر ، وقرأ ابن كثير والكوفيون : لَساحِرٌ ، على أن الإشارة إلى الرسول ، وفيه اعتراف بأنهم صادفوا من الرسول أمورا خارقة للعادة ، معجزة لهم عن المعارضة ، وكلامهم هذا يحتمل أن يكون تفسيرا لما ذكره قبل من تعجبهم ، أو يكون مستأنفا . الإشارة : تعجب الناس من أهل الخصوصية سنة ماضية ، فكما خفى عن أعين الكفار سر النبوة ، خفى عن أعين الخفافيش سر الخصوصية ، فلا يطلع عليها إلا من سبق له قدم صدق عند ربه ، فسبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية ؛ فلم يدل عليها إلا من أراد أن يوصله إلى مشاهدة عظمة الربوبية . قال في لطائف المنن : فأولياء اللّه أهل كهف الإيواء ، فقليل من يعرفهم ، وسمعت الشيخ أبا العباس رضى اللّه عنه يقول : معرفة الولي أصعب من معرفة اللّه ، فإنّ اللّه تعالى معروف بكماله وجماله ، ومتى تعرف مخلوقا مثلك يأكل كما تأكل ، ويشرب كما تشرب ؟ ، وإذا أراد اللّه أن يعرفك بولي من أوليائه طوى عنك وجود بشريته ، وأشهدك وجود خصوصيته . ه .

--> ( 1 ) قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي « لساحر » بالألف وكسر الحاء . وقرأ الباقون « لسحر » بغير ألف ، إشارة إلى الوحي - انظر الإتحاف ( 2 / 104 ) .